عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
144
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
ومن ذلك ، الجامع واسع ، من الباب ( 229 ) : لو لم يكن في الجامع اتساع ، ما كان جامعا بالإجماع . قلب المؤمن جامع للوسع ؛ فغاية اتّساعه على مقداره ، واتّساعه على قدر أنواره ، فتجوّل الإبصار ، على قدر ما تكشف له الأنوار ؛ ويكون السرور على قدر ما يحصل لك من الكشف بذلك النور . اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النّور : 35 ] فقد عمّ الرفع والخفض . فصاحب البصر الحديد ، يدرك به ما يريد ؛ ولهذا ، إرادة المحدث قاصرة ، ودائرته ضيقة متقاصرة ! ألا تراه ألبسه على ما قلناه في الخبر : فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وهي جنّة محصورة ، والأمور فيها مقصورة ؛ فكيف بمن لا يأخذه حصر ، ولا يسعه قصر ؟ كيف ينضبط شأنه ، أو يحدّ مكانه من مكانه ، عينه جهل ، ولو عرف كونه ! * * * ومن ذلك ، المريد من يجد في القرآن ما يريد ، من الباب ( 235 ) : كان شيخنا أبو مدين يقول : المريد ، من يجد في القرآن كلّ ما يريد ! ولقد صدق - في قوله - الشيخ العارف ؛ لأن اللّه يقول : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] فقد حوى بجميع المعارف ، وأحاط بما في العلم الإلهي من المواقف . . وإن لم تتناهى ، فقد أحاط علما بها ، وبأنها لا تتناهى . فاسترسل عليها علمه ، وأظهرها عن التتالي حكمه إلى غير أمد ، بل لأبد الأبد . فالمريد المكين ، من يقول - لما يريد - كُنْ فَيَكُونُ [ الأنعام : 73 ] . . فمن لم يكن له هذا المقام ، فما هو مريد ، والسلام ! من كانت إرادته قاصرة ، وهمّته متقاصرة ، لا يتميّز عن سائر العبيد ؛ فهذا معنى المريد . . فإن احتججت بقوله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [ القصص : 56 ] فما أصبت . العلّام ، من ينتقل من مقام إلى مقام ؛ ذلك حكم الدار ، وأين دار البوار من دار القرار ؟ * * *